السيد الطباطبائي
237
تفسير الميزان
التجلية من الجلاء بمعنى الظهور ، والدك هو أشد الدق ، وجعله دكا أي مدكوكا والخرور هو السقوط ، والصعقة هي الموت أو الغشية بجمود الحواس وبطلان إدراكها ، والإفاقة الرجوع إلى حال سلامة العقل والحواس يقال : أفاق من غشيته أي رجع إلى حال استقامة الشعور والادراك . ومعنى الآية على ما يستفاد من ظاهر نظمها أنه " لما جاء موسى لميقاتنا " الذي وقتناه له " وكلمه ربه " بكلامه " قال " أي موسى " رب أرني أنظر إليك " أي أرني نفسك أنظر إليك أي مكني من النظر إليك حتى أنظر إليك وأراك فإن الرؤية فرع النظر ، والنظر فرع التمكين من الرؤية والتمكن منها ، " قال " الله تعالى لموسى " لن تراني " أبدا " ولكن انظر إلى الجبل " وكان جبلا بحياله مشهودا له أشير إليه بلام العهد الحضوري " ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " أي لن تطيق رؤيتي فانظر إلى الجبل فإني أظهر له فإن استقر مكانه وأطاق رؤيتي فاعلم أنك تطيق النظر إلي ورؤيتي " فلما تجلى " وظهر " ربه للجبل جعله " بتجليه " دكا " مدكوكا متلاشيا في الجو أو سائحا " وخر موسى صعقا " ميتا أو مغشيا عليه من هول ما رأى " فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " رجعت إليك مما اقترحته عليك " وأنا أول المؤمنين " بأنك لا ترى . هذا ظاهر ألفاظ الآية . والذي يعطيه التدبر فيها أن حديث الرؤية والنظر الذي وقع في الآية إذا عرضناه على الفهم العامي المتعارف حمله على رؤية العين ونظر الابصار ، ولا نشك ولن نشك أن الرؤية والابصار يحتاج إلى عمل طبيعي في جهاز الابصار يهيئ للباصر صوره مماثلة لصورة الجسم المبصر في شكله ولونه . وبالجملة هذا الذي نسميه الابصار الطبيعي يحتاج إلى مادة جسمية في المبصر والباصر جميع ، وهذا لا شك فيه . والتعليم القرآني يعطي إعطاء ضروريا أن الله تعالى لا يماثله شئ بوجه من الوجوه البتة فليس بجسم ولا جسماني ، ولا يحيط به مكان ولا زمان ، ولا تحويه جهة ولا توجد صورة مماثلة أو مشابهه له بوجه من الوجوه في خارج ولا ذهن البتة . وما هذا شأنه لا يتعلق به الابصار بالمعنى الذي نجده من أنفسنا البتة ، ولا تنطبق